السيد عباس علي الموسوي
307
شرح نهج البلاغة
يا أهل الدّيار الموحشة ، والمحالّ المقفرة ، والقبور المظلمة ، يا أهل التّربة ، يا أهل الغربة ، يا أهل الوحدة ، يا أهل الوحشة ، أنتم لنا فرط سابق ، ونحن لكم تبع لاحق . أمّا الدّور فقد سكنت ، وأمّا الأزواج فقد نكحت ، وأمّا الأموال فقد قسمت . هذا خبر ما عندنا ، فما خبر ما عندكم . ثم التفت إلى أصحابه فقال : أما لو أذن لهم في الكلام لأخبروكم أنّ « خير الزّاد التّقوى » . اللغة 1 - الموحشة : من الوحشة وهي ضد الأنس . 2 - المحال : جمع محلّ وهو المكان . 3 - أقفر المحل : خلى من الناس . 4 - الفرط : بالتحريك المتقدم . 5 - التبع : التابع . 6 - الدور : البيوت . الشرح بعد معركة صفين التي جرت بين الإمام علي ومعاوية بن أبي سفيان عاد الإمام إلى الكوفة فلما أشرف على القبور كانت منه هذه الكلمات التي يحسّها الإنسان في عمقه ويعيشها في مجتمعه ويتأثر بها في واقعه . . . إنها صرخة إنذار لعلها تيقظ النائمين وتنبه الغافلين وترد الضالين . خطاب توجه به إلى أهل القبور يريد من ورائه الأحياء الذين سيصبحون مثلهم في غد أو بعد غد . . . يا أهل الديار الموحشة وأي ديار هي أشد وحشة من القبور فلا حسيس ولا أنيس بل رهبة قاتلة ووحشة مفزعة . . . من هو الذي يتصور أحبابه وأصدقاءه وخلانه الذين كان يأنس بهم ويرتاح لحديثهم ثم يمر فوق أجداثهم اليوم قد خرسوا عن الكلام وعجزوا عن إبداء المرام من ذا الذي يتصور ذلك ثم لا يستوحش . . . للقبور وحشة وخصوصا في الليالي المظلمة . . .